وأد البنات
تسوقنا العقلية المتخلفة التي قام المستبد على رعايتها وتربيتها اجتماعياً ونفسياً لتكون مخالفة للفطرة التي جُبلت عليها البشرية ، ولتصبح تلك العقلية على مقاس حكمه ومناسبة لتطبيق استبداده ،و كل ذلك عن طريق تعطيل العقل وعدم اعماله في النّصوص والسّير ، ليحل مكان ذلك العادات الاجتماعية وقدسيّتها المفرطة ، والممارسات السلبية التي تطبّق على النفس والأسرة والأولاد والمرأة وغيره من مظاهر العيش التي تلفّنا من كل جانب .
هنا أحببت أن أقطف من تلك الباقة الشوكيّة وردةً ! هي المرأة ، وأبحث في ضوء ماقرأت في كتابيّ وعّاظ السّلاطين للدكتور علي الوردي وكتاب التخلف الإجتماعي – مدخل إلى سيكولوجية الإنسىان المقهور -للدكتور مصطفى حجازي ، عما تعاني منه المراة من ضغط وممارسات سلبية لم يعد يُنظر إليها إلا كصفة مميزة تلتصق بالمرأة وكأنها خلقت معها ، علماً أنه الحقيقة خلاف ذلك .
المثل الأكبر للاستلاب الإنساني يكون في المرأة التي يقع عليها عادةً الغرم الأكبر ويفرض على كيانها القسم الأوفر من الاستلاب ، من خلال ماتتعرض له من تسلط ومايفرض عليها من رضوخ وتبعيّة وانكار لوجودها وإنسانيّتها ، فالمرأة في المجتمع المتخلف تابع لا حريّة له ولا كيان إنّها ملكية الأسرة ، منذ أن تولد تستقبل المرأة بالتذمّر والتّبرم والضّيق إذا لم تستقبل بالرفض الصريح وهي توضع كطفلة في مرتبة ثانوية بالنسبة للصبي الذي يعطى كل القيمة ، وتتحول إلى خادم للأب وللإخوة حين تستنزف طاقة الأم ، وعليها تنصب كل الضغوط وتفرض كل القيود ، وحتى تموت يستمر ذلك ، فمكانتها هي في أن تكون ماأريد لها ليس إلا .
طبعا هذا القهر المطبق على المرأة ماهوإلا انعكاس متناسب طرداً مع مايعانيه الرجل من أشكال ودرجات القهر في المجتمع ، فالرجل الذي يختصر كيان المرأة في جسدها الذي هو مجرد أداة لإنجاب الأولاد ومجرد رحم قيمته تكمن في درجة خصوبته ، وبأن قيمتها كلها وشرفها كله يتجسد في عفافها الجنسي هو رجل مكبوت مقهور يقوم بشحن ذاته بالقوة حتى يتحول إلى مركز لإسقاط الضعف والمهان على المرأة ، ذلك هو السبيل الوحيد أمام الرجل المقهور والمستغل كي يكون ، ولكي يستعيد كبريائه وتوازنه الظاهري .
فالمرأة محرّم عليها أن تعجب بشخص وتتمنّاه زوجاً لها وتجهر بذلك -على سنّة الله طبعاً- بينما هذا الأمر متاحٌ للرجل بل ومندوب في أغلب الأحيان ، هنا تصبح المرأة وقحة ” قليلة حيا ” تتجاوز حدودها وتحاول أن تمحو الخطوط الحمراء التي رسمها لها الآباء والأجداد ، علماً أن السيّدة خديجة رضي الله عنها هي التي طلبت الزّواج من النبي عليه الصلاة والسلام ، طبعاً أنا هنا لا أناقش الضوابط الشرعية المتعلقة بقضية كهذه ، إلا أنني أرفض تلك العقلية التي تقيّد المرأة وتحرمها من حق طبيعي ومن فطرة لا تنفك عنها مهما اصطنعت وحاولت التخفي منها ومهما حاولت أن تصبح ملائكيّة الطبع كما يريد المجتمع منها فإن ذلك لن يحدث وهو الذي سيؤدي في النهاية إلى سلك الطّرق الملتوية التي تعاني منها مجتمعاتنا على صعيد العلاقات غير الشرعية وغير المضبوطة أخلاقياً وسلوكياً بين الجنسين .
وعند تفوق المرأة ونبوغها تسحب منها صفة الأنوثة ويطلق عليها لقب اخت رجال !! تقول نوال سعداوي : التفوق والنبوغ صفة الرجل فحسب ، فإذا ما أثبتت إمراة مانبوغها بما لايدع مجالا للشك اعترف المجتمع بنبوغها وسحب منها شخصيتها كامرأة وضمها إلى جنس الرجال . فالمرأة القادرة يطلق عليها لقب رجل .
بالمناسبة من الناحية البيولوجية المرأة أكثر مناعة من الرجل وانبناؤها البيولوجي الوراثي أكثر متانة ، وكذلك فإن الرصيد العصبي الدماغي الذي تولد فيه لايقل بأي حال عن رصيد الرجل .
بالمقابل فإن المرأة تخشى الإقدام على تحمل مسؤولية مصيرها ورفض ذاتها لما غرس في نفسها من مخاوف بغية ابقائها في حالة تبعية وهي تجد في تلك التبعية نوعاً من الاستقرار والشعور بالحماية والأمن ضد العالم الخارجي الذي صُوّر لها كغولٍ أو وحشٍ مفترس يتربّص بها كل حين ، وهكذ تتراجع إلى مواقعها السابقة مترددة أمام عظم التحديات وكبر المهمة خصوصا أنّها غير أكيدة من الظفر وتخشى أن تدفع كيانها وسمعتها ثمناً لمحاولة فيها قليل أو كثير من الجرأة .
الأمر يتعدى ذلك في الفئات الثريّة ذات الامتياز إلى نسف المشاعر الحقيقية للمرأة وممارسة الاستلاب العقائدي حيث تزين لها وضعيتها كأداة وترتبط قيمتها بمقدار كلفة الجهاز والأثاث ومدى ترف وفخامة الجهاز ، لا قيمة حقيقية لمشاعرها العاطفيّة ، لا يحقّ لها أن تعجب بشخص وأن ترسم مستقبلها معه ، إنها مجرد أداة ثمينة عند الزوج أداة كلّفه الحصول عليها غاليا ..
أما من ناحية العمل والدراسة فلا يختلف الأمر كثيراً ، فهي دوماً تتعرض إلى تبخيس في المكانة وتساق إلى مواقع انتاجيّة ثانوية بعيدة عن التميّز والابداع ، بالاضافة إلى طمس كل إمكانية عندها ووأدها عبر حرمانها من الخروج والتدريب والدّراسة والتألق بمجالها وشغفها وتطوير قدراتها وبأنها إلى هنا وزيادة ، لا داعي لان تتطور أكثر من ذلك – خصوصاً إذا كانت من الحسنوات – فهيى امرأة في النهاية وفشلها الدراسي والانتاجي لا يعني شيئاً مقابل فشل أخيها الرجل ذو الامكانيات والقيمة والذي يعتبر فشله كارثة حقيقية !
هذا كله يسبب عدم الثقة بالنفس عند المرأة والاقتصار على أدوار هامشية في الحياة كدور الخادم لاأكثر ، في حين كانت نساء النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة على النقيض من ذلك تماماً كالسيدة عائشة رضي الله عنها التي قال فيها العلماء أنهم ما رأوا أحداً أعلم بمعاني القرآن وأحكام الحلال والحرام من السيدة عائشة ، وما رأوا أحداً أعلم بالفرائض والطب والشعر والنسب من السيدة عائشة .
وفي صحيح مسلم أن أم سليم اتخذت يوم حنين خنجراً فكان معها، فرآها أبو طلحة فقال يا رسول الله: هذه أم سليم معها خنجر. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم “ما هذا الخنجر؟ “فقالت: اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت به بطنه. فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يضحك.
فالمرأة في عصر النبي كانت تتمتع بالحرية الفاعلة والباعثة على الانتاجية والبناء أكثر من مجتمعنا حيث تتعرض فيه المرأة إلى الإنغلاق على الذات وانتظار عريسها الذي سينتشلها أخيراً ويريح الأسرة من ذلك العبء الثقيل عبء الشرف وتحمل تبعاته .
نهايةً.. يجب الانصاف مع الجنس الآخر ، مع القوارير ، حتى يكتمل مجتمع تشكل فيه المرأة نصفه تماماً ، فاليوم الذي ستسأل الموؤدة بأيّ ذنب قتلت ، أقرب لأحدنا من شراك نعله .
في عيد الثّورة .. بشائرُ أمل
في حمأة التهريب الذي كان سائداً منذ زمن- ومازال- في قطرنا المحتل تمكنت إحداهنّ من التسربل من ناحية الركن الجنوبي للأرض المباركة ، وجالت في تلك الديار فوجدت معالم الكرم والمروءة في أعين اصحاب الديار واستبشرت بهم خيرا ، وسرعان ماحلّ المساء وتعبت الكريمة تلك فتجرأت وطرقت باب أحدهم ، وكالعادة قفز الأطفال فرحين بطرقات الباب ليفتحوه … من في الباب ياأمي ، قالت الأم .. ردّ الصغار : إنها إحداهنّ غريبة لم نرها من قبل ولم نألف منظرها .. تقول إن اسمها “حريّة “
أهلاً وسهلاً شرفونا احبابنا ..
كانت البشارة إذاً من أطفال بعثهم الله لنا ليخبرونا بأن خلاصنا قد بدأت حكايته ، كان بعثاً حقيقيّاً يحمل كل معاني البعث السابقة التي جرت على أيدي الانبياء والمرسلين ، الذين جلبوا لنا مفهوم خلافة الأرض وعمارتها وتحمّل أعباء ذلك ، كان ذلك الحدث ترجماناً جديداً لآية ” ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم ” عادوا إلينا أولئك الرسل في مثل هذا اليوم ولكن هذه المرة رسلاً صغاراً ، وحيهم أفعالهم البريئة ، وكتبهم المقدسة جدران كتبوا عليها آيات علمتهم إياها تلك الكريمة “حرية “
بهذه الروح تجلّت لي الثورة في عيدها الأول ، بروح البعث الإلهي ، بروح التأكد من النصر وبقدومه بدليل الآية ، لأن الثورة بدأت بتدبيرات العزيز الحكيم الذي كتب النجاح لبعث الرسالات السابقة ، وستنتهي قريباً بإذن الله كما انتهت كل تلك الرسالات السماويّة التي تتوجت بقيام الخلافة الحقة على هذه الأرض .
أحببت أن أطيل في المقدمة وأن أشحذ همتي وهمّة من يسمعني ، ففي الأيام القليلة الماضية شهدنا فتوراً في الهمم اعترى الكثيرين إثر دخول الجيش الأسدي دخولاً موهوماً وسيطرته على معظم الأراضي المحرّرة في حمص عاصمة الثورة ، وفي إدلب حصان الثّورة الأسود ، الأخبار التي ساقتها لنا الأيام الماضية جعلت الناس تضيق ذرعاً وأخذ اليأس يستحوذ على بعض القلوب الضعيفة وربما القوية ، لكن ذلك كان لقضاء أمراً مفعولاً من عند الله .
وهنا أستأنس بإحدى كلمات الدكتور أحمد العمري لأسلّي بها النّفوس وأنقر بها على أوتار التفاؤل لدينا حيث قال عن المرحلة السابقة بأنّها “أُحد” الثورة السوريّة وأن “الفتح” قد اقترب .
وهذا مؤكد بدليل أن معنويات الطائفة “الكريمة” ومن والاها معدومة ، وخوفهم بلغ منهم مبلغه .
نستطيع وبكل صراحة بعد عام كامل من النشاطات الثورية أن نؤكد وبلا مواربة أنّ النصر لن يأتي إلا بالحديد .. بالسلاح ، إذ أنّنا نستطيع أن نختزل الثّورة على أنّها حرب بين الجيش الحرّ وبين الجيش النظامي ومن سينتصر بالنهاية ويخرس الآخر هو من سيكون صاحب الكلمة الفصل ، وما تبقى كله توابع لهذا الموضوع لاأكثر “يعني بهارات”
سأسوق هنا بعض المواقف لكل من أفراد الجيش الحر والجيش النظامي – وهنا كلمة الجيش النظامي متضمنة الأمن والشبيحة والجيش فكلهم يقاتلون مع النظام – جرت على الأرض وعلى مرأى أو مسمع منّي وسنحاول أن نتكهّن من خلال هذه المواقف لمن ستكون الغلبة ياترى ، فكما قلت لكم أنا هنا لأشحذ الهمم وأرقى بالنفوس لاأكثر ، ولعلّي أنجح في ذلك …
أحد أفراد الجيش الحر في مدينتا جلب له أحدهم بعض المعونات الغذائيّة لأنه لايستطيع التحرك في المدينة لكثرة الحواجز ، قال له المجاهد بالحرف الواحد ” لبقا تجيبولنا أكل صرلنا عم ناكل أربعين سنة جيبولنا رصاص ، بدنا نتحرر برصاصنا مو بأسناننا !”
أحد أفراد الجيش النظامي وهو ضابط برتبة مقدّم قال بالحرف الواحد ” شو دخلني انبقي بشار ولا راح المهم آخد راتبي وآكل واشرب علوا البلي ، بكرا بيهرب وبيتركنا نحنا نتقتل !”
أفراد الجيش الحر ينقضّون على الحواجز الأسدية ومراكزهم بسلاحهم الفردي الخفيف ويفعلون فيهم الأفاعيل .
المدرسة المجاورة لبيتنا التي يسكنها الأمن والشبيحة والجيش الخائن ، رمى عليها أحد أولاد الحارة كيس “زبالة” فجنّ جنون جنود الأسد البواسل وبدأوا بإطلاق النار على الكيس حتى خرج لهم مافي جعبته من أشياء تسر ّ خاطرهم “حفوضات أطفال ومحتوياتها” !
أفراد الجيش الحر لايعرفون طعم الخوف يجويون الشوارع وبجوارهم الأمن والشبيحة ويجلسون في بيوت كبيوتنا ومايهابوا الموت .
أفراد الجيش الأسدي يضعون أمام متاريسهم الرمليّة “الأكياس” تلالاً من التراب ارتفاع التلة لايقل عن ثلاثة أمتار ويرقصون من الفزع !
عندما يريد أفراد الجيش الحر الهجوم على مركز تجمع للخونة يركبون “طرطيرة ” أو سيارة “سوزوكي ” أو “فان” في أحسن الأحوال وتكون النتائج مرضية وقتلى الأمن والشبيحة بالعشرات .
أفراد الجيش الأسدي يقتحمون الأحياء بعشرات الدبابات والمدرعات والمجنزرات ولايستطيعوا أن يمسكو بعنصر من الجيش الحر إلا وهو مستشهد والحمد لله ، فالمجاهد يموت ولا يسلم نفسه لؤلائك الأنجاس.
لم أسمع بعملية قام بها الجيش الحر وفشل في النيل من هدفه أو بعضاً من ذلك الهدف والأمثلة على ذلك لاتعد .
سمعنا كثيراً عن عمليات باءت بالفشل للجيش النظامي ليس أبعدها الزبداني ولاأقربها قرى إدلب .
الجيش الحر بازدياد دائم وبمتوالية حسابية متصاعدة وذلك بالعدد والعتاد والإمكانيات اللوجستية والعسكرية والتنظيم ، وبقدرة قتالية عالية ممزوجة بإيمان قوي بالله وبنصره .
جيش النظام بنقصان دائم وبمتوالية حسابية متناقصة على صعيد العدد وربما العدّة ، ومعنويات مهترئة وانهاك شبه تام لهذا الجيش النظري المؤمن بالأسد أو لاأحد .
قتلى الجيش الحر في الجنة .
قتلى جنود الأسد في النار .
فلمن الغلبة ياترى ؟
نسأل الله أن يجبر خاطر أولئك الأحرار ، ويهئ لهم أسباب النصر ، اللهم آمين .
ت
حماة .. خاويةٌ على عروشها 3
أم عمر وهمّام في الحمّام .. كما حدّثتني
نترك أولئك الواغلين ينهبون أموال البشر ويتعدّون على حظوظ الناس من الأرزاق والأموال ونذهب إلى الضّفة الثانية من حماة .
في حي طريق حلب القديم وبعدما بدأ الجيش الخائن بالسيطرة على الأحياء ، أم عمر ومع من معها من النساء الخالدات يجلسن يرتقبن قطار الموت أو أي قطار آخر سيذهب بهم إلى المجهول ، بعدما ذهب بأزواجهنّ ومن يعرفن من الرجال وبقين وحيدات في الدار القديمة ، وفجأة يستحلي أصحاب القرار هذا البيت العربي الفسيح ويعجبهم موقعه الاستراتيجي فيشرعون بإنزال جويّ على باحة المنزل والنساء موجودات به ، وينتشروا كالثّعالب الماكرة والكلاب المسعورة التي تلهث فيستطيل من أفواهها الزبد في منظر شبيه بفوهات الصرف الصحي لا بل أشدّ قذارة ، وينقضّون على النساء العفيفات اللواتي التصقن ببعضهنّ التصاقاً عجيباً حتى لاتستطيع أن تميز جسم الأولى عن الثانية ، وهل تملك تلك العفيفات غير ذلك أمام قطعان الذئاب ، والخوف يحيط بهم من كل جانب وقلوبهم تمركزت في أسفل بطنهم ، فقد سمعوا عن رجال الأسد ورأوا منهم العجيب الغريب .
” قومي هنتي وياها يا …. يا إخونجيات ، والرب لنسوي فيكن الماصار يا…. قومو عالحمام تشوف بسرعة ” صاح بهنّ أحدهم
وبدأن يتدحرجن على الأرض من شدّة الهلع والذّعر الذي أحاط بهم ودخلت الحجّة أم عمر ومعا عشرة نساء إلى حمامٍ لا يتجاوز الثلاث أمتار طولاً ومثلهم في العرض !! ومع ذلك كانت الحمام روضة من رياض الجنّة أمام حفر النار التي تترصّدهم في الخارج ، وبقي النسوة في الحمام عشرة أيام .. نعم عشرة أيام مع علبة من الدبس لايعلمن من جاء بها إلى الحمّام ، لكنّها كانت بمثابة الحليب للأطفال والدواء للمرضى والطعام للجائعات ، قالت لي أم عمر لاأدري من أين أتت علبة الدبس تلك لعلها تساقطت علينا من الجنّة فعلاً !!
طبعا بين الفينة والأخرى يشق الباب أحدهم وتندفع منه خيوط الظلام مباشرة ويقول ” والله لندبحكِن هلق ياإخونجيّات هلق من فرجيكِن هلق بدنا نعدمكِن كلكِن ونلحقكِن برجالكِن يا….” ويغلق الباب ويمضي إلى مايمضي ، تقول أم عمر التي أصيبت بمرض عصبي عضال لازالت تعاني منه حتّى الآن والله لاتذهب صورة ذلك القذر من مخيّلتي حتى يومنا هذا .
وبعد عشرة أيام تنام النساء فيها على الرعب وتستيقظ عليه ، فُتح الباب وأُخرجن النسوة من الحمام وأُطلق سراحهنّ والبكاء يعصف بالصغار وبالأخص همّام ابن أم عمر الرضيع، والدمار يخيّم ، والأرض تسبح بالدماء التي تنحلّ بالماء والطّين فتُظهِر على الأرض لاحة الغضب ، وأصوات القصف تتعالى والانفجارات تهزّ الأرض وترتعد لها الجلاميد العظام ، والموت يخيّم والعسكر يثبون على فرائسهم ويرقصون على الأشلاء ، والتلال البشرية من الشهداء قد كُوّمت بانتظار الجرافات لتذهب بها إلى مثواها الأخير … ومع كل ذلك وهمّام الذي أصيب باليرقان وهو بالحمّام يجهش بالبكاء ، وهنا لابدّ من أخذ قرار حاسم لأن بكاء الطفل يشكلّ إرباكاً هائلاً لأم عمر وغيرها من النسوة ، قيأتي القرار الأصعب .. يوم يفرّ المرء من أخيه وأمّه وأبيه وصاحبته وبنيه … نعم تقررّ أم عمر أن تترك ولدها ، فلا خيار أمامها سوى أن تترك قطعة من قلبها وتتناسى كل جزيئات البرولاكتين المتدفقة عبر جسدها ، تترك فلذة كبدها لأن الوقت لاينتظر فالّحظات معدودة للإخلاء وإلّا فالنّار في المرصاد …
يالله الأم ستترك ولدها !!! ماهول الموقف إذاً، ماطبيعة ذلك الزمان ، ماطبيعة تلك الأيام التي مرت على حماة ؟ أهي كأيامنا هذه فيها الشمس والقمر والليل والنهار والهواء والسحاب ؟
لكنّ الله وهو أرحم بهمّام من أمّه أم عمر قذف في قلبها جرعة إضافية من الحنان والشجاعة حتى حملت ولدها ونجت والحمد لله وأصيب همام بشلل أطفال وهو لايزال إلى الآن يحمل على الأيدي والأكتاف وهو ابن الثلاثين لما عانى من نقص حاد في الغذاء قد أتلف مناعته .
طبعاً إعلام السلطة “قناة الدنيا اليوم” طيلة فترة الأحداث لايفتأ يذكر بطولات القائد وشيمه وأخلاقه البعثيّة الحميدة ، ويتكلّم عن نظام المقاومة والممانعة وتحرير الأراضي ورفع رأس العرب والأمة العربية بالعلالي ، والمسيرات المؤيدة لمسيرة القائد تسير حتّى في حماه نفسها ؟! في حماه نعم ، ففي التاسع من شباط وبعدما ارتكبت طلائع الأسد مذبحة بحق أهالي حي سوق الشجرة ، ثم جمعت الجثث في حفرة واحدة وأهالت عليهم التراب بالجرافات -وربّما كان هذا التراب هو تراب أحد المساجد المجاورة لاندري -، وبعدها قرروا أن يحتفلوا بهذا الإنجاز فساقو النساء والأطفال ومن بقي من الرجال وأرغموهم على المسير أمامهم في شوارع المدينة المهدّمة ، يهتفون بإنجازات القائد وبحياته ويحلفون برأسه ، ولم يكتفوا بذلك بل طلبوا من النساء أن يرقصن في المسيرة على صيحات ضحكهم الذي فرّ من نهيق الحمير .
قوم شذّاذ للأفاق والرؤى كل ملامح الخيانة تبدو على أفعالهم فالحي الوحيد التي لم تبدو منه أي مقاومة تذكر حي جنوب الملعب ، والذي قدّم للجند الطعام والشراب والمساعدة في بداية الحرب قتل منه المجرمون الفي رجل رمياً بالرصاص في غضون دقائق ، ويقال أن ذلك كان خطأ فني ، فالمقصود هو الحي الكائن بجانب المشفى الوطني القديم في الحاضر وليس حي جنوب الملعب المجاور للمشفى الوطني الجديد في السوق ، لكن للمعركة ضرورارت لا نفهمها نحن .
وغيرها الكثير الكثير من الأحداث التى وصمت تلك الطغمة الفاسدة بالعار إلى الأبد ، وارتقت بالشهداء إلى عليين إلى الأبد ، وزادت من إصرار أهل مدينة حماة الأبية إلى الوقوف في وجه مستبدّيهم إلى الأبد .
هي هكذا عقول المستبدّين : عنفٌ مصاحب للولاء المطلق للقائد ، والتبعيّة العمياء ، والطائفية البغيضة ، والإعلام الكاذب ، والقطعان المسيّرة تهتف بحياة القائد رغماً عن أنفها وتحرسها فوهات البنادق .
ملاحظة هامّة : مجزرة حماة تنفرد أوتكاد من بين كل مجازر التاريخ بأنها مجزرة غاب عنها الجرحى أو كانوا من الحالات النّادرة التي لاتذكر … فالموت كان الغاية والهدف ولاشيء غير الموت .
حماه .. خاويةٌ على عروشها 2
نعم هكذا كان حال المدينة والصواريخ والمدافع والدبابات وبرفقتهم وحوش البشر تلتهم أضلاعها وتنهش من عرى جسد أطفالها وتستبيح ماتستبيح من الحرمات وتذيق المدينة المرّ والحنظل .
حماة التي ذُكرت في الإنجيل ، حماة التي استعصت في السابق على الصليبيين واتخذها الأيوبيون عاصمة لهم ، حماة التي وقفت لربع قرن في وجه المستعمر الفرنسي بصمود وبسالة ، حماة التى ترنّم بصوت نواعيرها من ترنّم ، حماة التي استكتتبت أيادي العشرات من الكتّاب والشعراء والمؤلفين بجمالها وسحرها الآتي من الجنّة ، حماة التي جذبت بمغتاطيس الأبداع والحضارة والآثار آلاف السيّاح الذين نصّبوها ملكة جمال المدن .. ليس هذا وحسب بل أكثر منه وأكثر ماكان ليشفع لها من حقد المارقين وضراوة وشراسة المستوحشين الذين نفثوا فيها ألوان من الحقد شتّى حتى شابت لأفاعيلهم الولدان .
لم تكن حرباً ضدّ مسلحين أبداً ، بل كانت حرباً ضدّ مدينة ، ضدّ شعبها الآمن ، وإلا لما كانت السلطة قتلت الأطفال قبل النساء والرجال ، وإلا لم تكن السلطة لتقصف الأحياء التي لم تبدر منها أي نوع من المقاومة وتسوّيها بالأرض ، وإلا لم تكن السلطة حرقت المحلّات التجارية والأسواق قاطبةً حتى تبدو كقطعة الفحم الهزيلة ، كانت حرباً من أجل إذلال أهالي حماة ومن ثمّ إبادتهم ونشر هذا الدرس عند جميع السوريين ممن لم يتمرّد بعد على الظلم وإعلامه بالعاقبة قبل أن يتمرّد ، لم يذكر التاريخ أن نظاماً ما قام بتدمير المدينة فوق رؤوس ساكنيها ! فحتى نيرون قبل أن يضرم النّار بروما أخلاها من سكانها وبعدها تلذذ بمنظر الحريق ، إذا كان الهدف المسلّحين والذين رفعو السلاح في وجه السلطة – علماً أن الثوّار لم تكن ضرباتهم سوى ردود أفعال يقومون بها مع الأهالي رداً على أعمال السلطة التي تستهدف إبادتهم – فلماذا منع الطّعام والماء والدواء ودُمّرت المستشفيات والمدارس والمعاهد فضلاً عن المساجد والكنائس ؟!
الهدف حو حماة بالكامل بكل مافيها وبدون استثناء ..
أول مابدأت به عصابات الأسد ليس البسملة والتكبير ، بل النقيض المباشر لذلك ، دفعها حقدها الطائفي المذهبي إلى قصف مآذن المساجد وقببها وتدميرها بالكامل ، والمسجد الذي لم يدمّر بالقصف لفّت حول رقبته حبلاً من الديناميت وأعطت الإيعاذ بإعدامه حتى هُدم أكثر من ثمانين مسجداً في حماة الطاهرة ، وكذلك فعلت بالكنائس ، وكاد النّاس- أو من تبقى من النّاس-أن ينسوا الأذان لأنه غاب عنهم لمايزيد عن ثلاثة أشهر .. وهل يوحّد إلا الأسد عند عابديه ؟
مارس النظام الهدم على كافة أرجاء المدينة ، وكانت النسب في الهدم متفاوتة وهناك أحياء قد هُدمت بالكامل واستوت مع الأرض كالكيلانية ذات الروائع العمرانيّة والقصور الأخّاذة ، والزنبقي والشرقية ، وهناك أحياء أخرى دُمّر أغلبها وهناك نصفها وهناك ربعها فكلّ امرئ بما كسب رهين عند الأسد ، لكنّ السؤال الذي يطرح نفسه لماذا الهدم ؟ لماذا هدموا مدينة حماة ؟
أهو الحقد ، أم الرغبة بكسر شوكة أهل المدينة ، أم إجبار المقاومة المسلّحة عن التخلي عن السلاح التي “تدافع” به عن نفسها ، أم الحقد على المعابد والمساجد ، أم العمل على تغيير البنية الإجتماعية والعمرانية والثقافية للمدينة بأن يُنسوا أبنائها كل ما يتعلّق بتاريخهم الإسلامي السمح ، أم اشق طريق للآليات والدبابات ..؟ الجواب الأوفى ربّما لأن الغاية تبرّر الوسيلة عند المجرمين ، الغاية موت المدينة .
كانت أوامر القتل تأتي محدّدة عددياً من قبل السلطة ، فيطلب أن يكون رقم القتلى اليوم كذا- خمسة آلاف- مثلاً أو يزيد ، ويجب على الأوغاد أن ينفّذوا أوامر قادتهم -وهذا مايتمنّوه طبعا- وفعلاً لا يترددوا في الوصول إلى” السكور” المطلوب وبكل وحشية .
سيناريو القتل بالمجمل كان على الشكل التالي :
تأتي الأوامر بأن يخرج الرجال من البيوت ، يصطفوّن أمام عدسات البنادق وتلتقط لهم صور الموت ببساطة ، وغالباً ماتكون هذه المشاهد أما أعين نساؤهم وأطفالهم ، حتى أن البعض قال لي أن إحدى النساء بقيت تبكي على أولادها وزوجها الذين قُتلوا على باب الدّار لعشرة أيام والأمطار تغسّلهم صباح مساء ولا يتأتّى من تلك الحرّة إلا البكاء وقراءة القرآن -بالسرّ طبعاً فالقرآن من المحرمات عندهم -ومن لا يقتل يساق إلى المعتقلات من المدارس والقاعات الكبيرة والفروع الأمنية ومداس التعليم المهني حيث العدد الصناعية من الملازم والمناشر والمطارق التي يتسلّى بها الجند بالتعذيب ونشر أيدي الرجال بالمنشار الكهربائيّ وقلع أظافرهم وصعقهم بالكهرباء ودوس كرامتهم ، وعندها يتمنّى الأسرى الموت وغالباً ما كانوا يجدونه عند انتهاء اللذة .
نشرو ا دنسهم في أرجاء المدينة ، جعلوا البيوت كالمزابل لوّثوا جدرانها بأقذارهم وأوساخهم كما حكت لي جدتي ، نهبواكل مافيها من أثاث وفرش وأدوات كهربائية حتى الملابس الدّاخلية لم تسلم منهم ، كانوا كتلاً حيوانية لاتعرف الشفقة ولا الرحمة ، ودارت بينهم معارك وشجارات كادت أن تتحول إلى صدامات حقيقية بالسلاح بين سرايا الدفاع التّابعة لرفعت الأسد والقوات الخاصة والسبب هو من سيقوم بتفتيش السوق الصناعيّة لمافيها من خيرات بغية نهبها ، وانتهى الصراع لصالح السريا الرفعوية بشرط أن تقوم القوات الخاصّة بتفتيش حي المدينة بنفس اليوم وهو من أحياء النّصارى !
نتركهم في طغيانهم يعمهون ونذهب إلى أم عمر وقصتها مع الحمّام كما روتها لي ولعلّ ذا يكون في الجزء الثالث بعون الله ..
حماة .. خاويةٌ على عروشها 1
في شمّاعة ذاكرة الأيام لوحٌ محفوظ كتب عليه بالدم الأحمر القاتم “مجزرة حماة الكبرى” التي اقترفتها يد الفجور والتعالي ودفنت سرّها مع من دفنت من الشهداء الأبرياء الأطفال والنساء والشيوخ والرجال .. الأموات منهم والأحياء في مقابر جماعية مجهولة المكان حتى هذه اللحظة .مالسرّ من وراء ذلك ، ولماذا انفردت حماه وحدها دون غيرها من المدن السورية بالمذبحة ، ولماذا استهدف البشر والحجر والشجر في تلك المجزرة ، وكيف جرى كلّ ذلك ؟؟ سنرى
حماه ومنذ الخمسينيات تقطنها غالبية سنّية ساحقة وبعض النّصارى المحافظين والمتطبّعين بأطباع أهل السنّة في المدينة ، لذا كانت المدينة سمتها العامّة التدين والطّابع الإسلامي واضح فيها وجليّ ، ويعود سبب ذلك إلى وجود علماء أفاضل في فترة الستينيات نذروا أعمارهم لتعليم أهالي المدينة تعاليم دينهم ونشر الخلق الإسلامي بين جنبات المدينة .
هذا كله أدى إلى وجود أرض خصبة لولادة معارضة لكل ماهو بعيد عن الدين الاسلامي وتعاليمه ومعتقداته .
طبعاً جماعة الأخوان المسلمون هي كأي حزب سياسي له آراء وأفكار ونظام عمل وخطة سياسية واضحة مثل باقي الأحزاب ، لكنّ الذي حصل أنّه انشقّ عن هذه الجماعة الشيخ مروان حديد رحمه الله في عام 1964 وقرر الاعتصام بمسجد السلطان بحماه ليحثّ أهالي حماه ومن ورائها سوريّا على اسقاط حكومة البعثيين ، وكان أمله في ذلك أنّه كان من عادة الاحتلال الفرنسي وقت الإعتصامات أنهم لا يهجمون على المساجد فهي مقدّسة ، أما حكومة البعث جائت بالدبابات ودمّرت المسجد وفرّ المعتصمون وحكم عليهم بالإعدام ومن بينهم الشيخ مروان .
وأدّت الممارسات السيّئة لحافظ الأسد الواضحة إلى دفع الشباب المسلم إلى حمل السلاح ضده لكي يقوم بضرب الحركة الإسلاميّة في بلاد الشام ، مما أدّى إلى ولادة الطليعة المقاتلة التي أنشأها الشيخ مروان حديد في الفترة مابين 1964 و 1974 في المدن السورية المختلفة وبتتابعات مختلفة أيضاً .
وفي عام 1973 جرى تعديل للدستور في الفقرتين المتعلقتين بدين الدولة وهدف التعليم ، حيث كان الدستور ينص على أنّ دين رئيس الجمهوريّة الإسلام ودين الدّولة هو الإسلام ، وهدف التعليم هو إنشاء جيل يؤمن بدينه ويعمل من أجل أمّته ووطنه ، وبعد التعديل أصبح البند ينص على أن رئيس الجمهورية عربي سوري عمره أكثر من أربعين سنة ،والتعليم يهدف إلى أنشاء جيل علمي التفكير .
وكانت هذه نقطة انطلاقة الاحتجاجات في سورية وبالأخص في مدينة حماه بسبب جرأة أهلها ووجود أفراد كثر من الطليعة المقاتلة فيها-هذا لأن الطليعة كانت مقسمة إلى جماعات في حماه وحمص ودمشق وحلب وجسر الشغور وغيرها- حيث أصيبت الحكومةبصدمة عنيفة من احتجاج طلاب المرحلة الإعدادية الذين بدأوا يهتفون ضدّها بهتافات مناهضة للبعث وللحكومة ،وهنا كشّر الأسد الأب عن أنيابه وقال :” لأقطعنّ اليد التي لم يستطع عبد النّاصر ان يقطعها”
وهنا فعلاً بدات السلطة مسلسل الدّم وبدأت تلقي القبض على بعض الشباب الحموييين في حماه وتلقوا على يدها أشدّ انواع التعذيب وسُلّموا إلى أهلهم حثثاً هامدة .
وفي هذه الفترة بدأت الطليعة المقاتلة تعلن عن تبنّيها لبعض العمليات ضد السلطة وأطلقت أول رصاصة عندما اغتالت قائد الأمن القومي في حماه عام 1976 ، ثم جاءت حادثة االمدفعيّة الشهيرة عام 1979 والتي سقط فيها مايقارب 255 من العلوييين ، وبالمناسبة أصدرت جماعة الإخوان المسلمين بياناً تعلن فيه عن نفي علاقتها بالحادثة وتنفي حمل السلاح ضد الدولة من الأساس إلا أن السلطة لم تفرق بين الإخوان والطليعة المقاتلة بسبب حقدها على الحركة الإسلاميّة جمعاء فأرادت أن تعمي عينيها عن حقية الحدث وأعلنت الحرب على الإخوان المسلمين قاطبةً ثم تطور الحال إلى الحرب على الإسلام بطائفيّة بغيضة فلم يبقى مسجد في حماه إلا ودُمّر بالكامل خلال المجزرة الكبرى في شباط 82 !!
وفي أوائل الثّمانينات ارتفعت وتيرة الإغتيالات من قبل الطليعة وأعلنتها حرب على النظام بسبب قتله لمئات من الإخوان ووصل معدّل الإغتيالات إلى عشرة أشخاص يومياً من أزلام النّظام وأعوانه من المخبرين عام 1980 وبدأت الطليعة المقاتلة تسيطر على الوضع وتعطي أوامرها للمدارس بإقامة الصلاة جماعة في المدارس وتوزيع مجلات خاصة بالطليعة علناً وبدأت تطلب من الحزبيين إعلان توبتهم والابتعاد عن الحزب والسلطة وقد نجحت إلى حدّ كبير في حماه وحلب وكان السرّ وراء ذلك تلاحم الجماهير مع الطليعة وتستّرهم على أعضائها ، وكان معظم المواطنون وحتّى المسيحيّون منهم يسر ّون عندما يقدّموا خدمة لأفراد الطليعة أو عندما يؤونهم في بيوتهم عند الحاجة وتقديم لهم العون ، هذا لأن معظم الشعب حاقد على السلطة التي أذلته ومرغت أنفه بأوحال الهوان .
هنا بدأ الخطر يشتدّ على السلطة وبدت الطليعة اكثر تنظيماً مما اطر حافظ الأسد أن يلجأ للتّفاوض مع الإخوان !! فقال في عيد الثامن من آذار عام 1982 : ” أتمنى أن أعرف ماذا يريد الإخوان المسلمون ، لويأتوا إلينا ويقولون ماذا يريدون ، أنا والله مسلم وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمداً رسول الله ، وأنا مواظب على الصلاة منذ ثلاثين عاماً ، وأنا أعرف أنه يوجد أناس عاقلون في الإخوان المسلمين ، يأتوا إلي ويقولو ماذا يريدون ، هل يجوز قتل المسلم ؟ هل يجوز قتل المواطن البريء ؟ من هو المستفيد من حوادث القتل هذه ؟ إنهم أعداء هذا البلد وأولهم الإمبريالية والصهيونية وإسرائيل “
ولم يذكر الأسد في خطابه الطليعة هذا لأنه لايفرق بينها وبين الإخوان .
وبدأ التفاوض مع القيادات في الأردن، ولم يرضى عدنان عقلة قائد الطليعة في حلب عن التفاوض واعتبره قفزاً فوق الغاية العظمى وهي اسقاط النظام والاقتصار في التفاوض على طلب المعتقلين وإعادة الموظفين إلى أعمالهم وغيرها من المطالب التي لم يجد فيها ماهو مقنع لإيقاف الإغتيالات ، بل زادت الإغتيالات ووصلت إلى الرئيس حفظ أسد نفسه ! في حزيران 1980، عندما حاول أحد ضباط الصف في الحرس الجمهوري أن يقذف رمانتين أو ثلاث على موكب الرئيس إلا أن مرافقه انكب عليه وحماه من الثانية بعدما انفجرت الأولى ورمى الثالثة بعيداً ، إلا أنه -وماهو واضح – لم يمت بل أصيب بإحدى ساقيه .
وقتل أخوه رفعت انتقاماً لهذه الحادثة 1000 سجين من الإخوان في سجن تدمر خلال أقل من ساعة أغلبهم من خريجي الجامعات والضباط والمهندسين ودفنوهم بمقبرة جماعية والبعض منهم كان مازال جريحا ولم يمت بعد !!
وهنا أحست السلطة أنها خُدعت وكأنها تظنّ أن الإخوان لهم سلطة على الطليعة .
عندها جاء الخبراء الروس وقدّموا النصيحة الذّهبيّة للأسد التي وافقت هواه ، وجاء الغطاء المناسب للوعاء المناسب حيث قالو له : مدينة حماه كلّها مجرمون لأنك لاتجد مواطناً واحداً يشير بيده إلى المجرم ليدلّ رجال الجيش عليه ، لذا نقترح إذا اغتال المجرمون أحد رجالكم في حيّ من المدينة ، فاليسرع الجيش إلى جمع خمسين رجلاً على الأقل في المكان الذي وقع فيه الإغتيال ويقتلونهم رشّاً بالأسلحة النّارية أمام الآخرين .
ولم يوفّر آل الأسد نصيحة كتلك ، وأرسل رفعت الأسد شقيق حافظ 12000 جندياً من سرايا الدفاع كدفعة أولى وصرّح أنه سيمحو حماه من على الخريطة وسيبني بدلاً منها حدائق وحانات للخمر ونوادي للرقص ، وسيجعل المؤرخين يقولون كانت هنا مدينة تسمًى حماه ..
بدأت الحشود تتوالى على المدينة ، تتقدمها 280 دبابة و 108 مدفع و 48 مدفع هاون و248 مدفع صواريخ والكثير من الحوّامات والعديد من راجمات الصواريخ وأكثر من 25000 ألف جندي !! كلّ ذلك للقضاء على شمعة سورية وإطفاء النور المنبعث منها .
وفي الثاني من شباط من عام 1982 رنّت ساعة الصفر ليلاً معلنة موت المدينة ، لذا وكما فعل السّابقون ممن شهدو تلك المذبحة حين وقفوا متفرجين -أو ربّما لم يقفوا – نترك حماة تحتضر وتصارع الموت وتنازعه ونقف نتفرج على مشهد السقوط ، ونستمع لآهات الأطفال ولصرخات النساء ولحشرجة المحشرجين من أهلها الكرام ، ونودعها علّنا ندخل إليها في التدوينة القادمة ونزورها وهي خاوية على عروشها .
الغناء .. ركنٌ من أركان الثّورة
غريبة تلك الأعراض التي يعاني منها الثائر لا تجد لها مثيلاً عند باقي الأعراض ، هي مختلفة عنهم كثيرً لدرجة أنها تنأى بالثّائر عن الفراش لا لوجع أو مرض وإنما لنشوة وطرب
يقول الشيخ الطنطاوي رحمه الله : الموسيقى تفعل بألباب السامعين العجائب .. صدقت ياشيخ فكيف إذا كانت الموسيق تنطف ثورة وتندى ثورة وتنثر عبق الثورة .
هذه هي حالتي في هذه الساعة الثورية والألحان تتهاوى على مسمعي ، وأذناي تأبى ان تفارق تلك النّغمات الخالدات التي كنّا نرددها منذ سويعات في إحدى ساحات الحرية
كانت البداية كلمات كُتبت على الجدران ثم مالبثت تلك الكلمات أن لُحّنت فصارت أغنية وبدأ الناس يتجمعون تحت أثير ذلك النشيد ويطربون لإجله ويبكون لسماعه ويرحلون بأرواحهم لتعانق شجرة الحرية في الجنة ، كان العار والحيف يلطّخ الطرف الآخر يلمّع دنسه ويبديه إلى العيان جليا ، كانت أغية سميح شقير “ياحيف” محراباً لأغنيات واغنيات ستصطف من ورائها وتحذو حذوها .
قالت لي ياحيف وقتها – والكلام للخبراء بطرق تواصل العاشقين العجيبة – إني لست اغنية عادية إني عماد لثورة ، إني ركن من اركان مجد انتم صانعوه..
ساررتها وقلت مولاتي أنا لك من الخدّام ، أنا عاشق للموسيقى ومغرم بالفنّ الهادف
قالت : متنا بيد إخوتنا باسم أمن الوطن واسألو التاريخ يقرا صفحتنا .. -هكذا قرات الموت من زاويتي الموسيقة الإنشادية قرأته موت لنشيد انطوت به الارض وقد حان وقت البعث!-
قلت لها والله لن تموتي يا “ياحيف” ستحيين وسنحيا عندما نسمعك وستحيين عندما نهتف ورائك ونحن ماضون إلى ساحات الحريّة.
سرّت ياحيف مني وأحسّت أن رجالاً يقفون معها ويرعون ظهرها ، بدأت الأغنيات بعدها تتوالى وبدأت الألحان تخطف العقول وتليّن القلوب وتفعل بالألباب العجائب ، صار للساحات لوناً آخر روحاً أخرى صرنا نرى الساحات تتزلزل لأغنية وتتمايل لثانية وتلين لثالثة ، صارت الأيادي ترفرف والأرجل تدق مَن تحتها بعد قيد طال وأدمى المعاصم والكواحل ، وكل ذلك تلبية لما تمليه الأغنية وانسياقا وراء أوامر اللحن .
نذرف الدموع سكابا على أرواح من قضوا ونذكر شمائلهم وأفضالهم علينا .. ونلعن أرواحاً آن لنا أن نلعنها بأغنية ملحّنة ومتعوب عليها ، تخرج اللعنات من أفواهنا وعلى وقع العلامات الموسيقيّة تتساقط كالشرر على روح الملعون .. نشعر ببعض السأم يلامس أفئدتنا لما يفرضه علينا المستبد من تضييق في المأكل والمشرب فنقول حيّ على الغناء لينجلي كلّ ذلك ولندق بكل حرف من حروف أغانينا مسماراً آخر في نعش المستبد ، ولكن هذه المرة الدق بأوزان موسيقية وبضربات إيقاعية موزونة تضفي على النعش الجمال وتسرع في إنجازه .
لم تعد ياحيف مجرد أغنية غنّاها أحدهم بل صارت كتاباً مقدس عنوانه ياحيف وبداخله كلمات بسيطة عظيمة يصفّها اللحن ويرتّب حروفها ويوثق وثاقها لتصير شعارت يكتبها السوريون بدمائهم ويرضون لحناجرهم ان تقتلع دونها ، لتصير موشحات سورية غير تلك الأندلسية المشهورة ، تزين النشيد والفن تدعمه تنشله من تحت الحطام في اللحظة الأخيرة لتعيده إلى مكانه الطبيعي ، إلى سدرته ليلقي على سامعيه مايشفي صدورهم ويثري عقولهم ويربط على قلوبهم ويثبت أقدامهم .
هكذا أنت يانشيد الآن سأرفع رأسي عالياً بك ، عفواً الآن سترفعني أنت عالياً عنما أتلسق هامتك المهيبة ، سأسر كثيراً عندما أُسأل عن شغفي وسأجيب بملئ فمي : أنا شغفي النشيد وجل اهتمامي الكلمةالهادفة واللحن ولن أرضى لهم بديلاً فقد تغلغلا في جسد الثورة واندسّا بين جنباتها ليكونا لها عمادا ولنا ودادا .
في محاولة مني لإرضاء ياحيف وذويها صنعت من الشعارات لحنا .. آملاً أن ألقى قبولاً منكم لأنتسب لنادي طارقي المسامير في نعوش الانجاس ، ألا فصوّتي لي إن رأيتم منّي مايسركم .
متلازمة التقوى والعلم
كنت أصلي العشاء حاضراً في المسجد .. حتى جاءت تلك الآية وطرقت باب أذناي وتسربلت إلى عقلي وهناك بدأت عملية التفكّر والتمعن بهذه المتلازمة ، متلازمة التقوى والعلم .. والآية كانت أطول آية في القرآن الكريم ، آية تحمل بين طياتها أعظم معاني الدّقة التي جاء بها القرآن “آية التداين” في سورة البقرة وقد خُتمت بهذه المتلازمة : وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّه وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ .. “البقرة الآية 182″
كثير من الأحيان يكون الحل موجوداً بين أيدينا لمشكلة معينة تعترينا ، ولكننا نغفل عنه أو نُصرف عنه لذنوبنا ولتقصيرنا ولحكمة بالغة أرادها الله لنا من وراء ذلك ، هذا ماحدث معي بالضبط عندما جاءت هذه الكلمات العظيمات وتساقطت على مسمعي كالبلسم الشافي من علّةِ عدم القدرة على تذكر ماأقرأ أو ما أتعلم أو ماُيقال امامي وعدم استحضاره في الوقت المناسب ، جاء الحل الحاضر الغائب.. إنها التقوى .
أردت انا ادعّم هذا المعنى أكثر ، فبدأت أبحث في الشابكة وفي كتب التفسير والحديث عن مايجعل لتلك المتلازمة ارتباطا أوثق وتلازماً أوفى، وأرجو ان أكون وِفقتُ لذلك .
بداية سأتكلّم قليلاً عن العلم والتقوى من حيث المفهوم ،ومن ثم سنمرّ على الآيات التي ساقت هاذا المعنى سواءً بشكل مباشر ، أو اختبأ بين جنباتها بشكل غير مباشر وندعّم كل ذلك بمايناسبها من أحاديث نبوية شريفة وأقوال لبعض السلف الصالح حول كل ذلك ، طبعا أنا هنا أتيت بغيض من فيض ولم استطع بالتأكيد أن ألم بكل ماجاءت به الكتب حول ذلك المنى ، وفد عمدت إلى نقل بعض النصوص من الكتب نقلا حرفياً وشرح البعض الآخر بنفسي وأذكر هذا من باب الأمانة .
العلم : هو المعرفة وهو ضد الجهل، وقال آخرون من أهل العلم: إن العلم أوضح من أن يعرف،وهو إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكاً جازماً فالعلم المعيار الأول الذي من خلاله يحدد المسلم علاقته بما حوله، فبالعلم يعتقد بالله سبحانه، ومن خلاله يؤمن بنبيّه الذي يأتي بالبرهان، وعلى أساسه تتأسس القيم الكبرى، وبه يستنبط الفقيه أحكام الدين، كما به يطبّق الدين في القضاء أو في تشخيص الموضوعات أو غيرها. وهو ما يسمى بلغة الفقهاء بـ”الحجة”. َ
أما التقوى : فجذرها الفعل وقيَ أي بمعنى حفظ وصان فهي من الوقاية كما في لسان العرب .. وقال سيدنا عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه في التقوى : التقوى هي الخوف من الجليل ، والعمل بالتنزيل ، والقناعة بالقليل ، والإستعداد ليوم الرحيل.وأصل التقوى : أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافهُ ويحذره وقاية تقيهِ منهُ ، فتقوى العبد لربّه أن يجعل العبد بينه وبين ما يخشاه من ربه من غضبه وسخطه وعقابه وقاية تقيه من ذلك وهو فعل طاعته واجتناب معاصيه .
إن هذا عين الإيجاز فيما ورد عن العلم والتقوى .
جاء في سورة الأنفال : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ” الأنفال 98
تجعل هذه الآية من تقوى الله سبحانه وتعالى مطيّة لنركبها وتمضي بنا إلى ميادين الفرقان أي التفريق بين الحق والباطل ، وتكشف وتميط اللثام عن النتيجة الحقيقية لكوننا تقاة لله وهي أن يظهرَ لنا الحق ويظهرَ لنا الباطل لتفرّقَ بينهما وكلّ هذا بنور التقوى ، هنا لابدّ أن نشير إلى كون هذا الموضوع -التفريق مابين الحق والباطل – هو مكمن سرّ وهداية من الله سبحانه ومنهج حياة لكل منا فلابد أن يفرق الإانسان بين الحق والباطل ليستقيم عيشه في ظل تواري الحق حينا والباطل حينا آخر والحل كل الحل سنجده في تقوى الله سبحانه .
الآية الثانية التي اهتديت إليها -وارجو أن تكون الهداية بنور التقوى – في سورة العنكبوت : “وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ “العنكبوت 69″
المجاهدة أحد المعاني الخفية التي تكتنز خلف ثناياها تقوى الله سبحانه والإتيان بما أمر والإنتهاء عما نهى ، لنهدينّم سبلنا .. والسبل كثر ، كان ابن تيمية طيّب الله ثراه إذا استشكلت عليه مسألة من المسائل أقام الليل لله جلّ وعلا وسجد بين يدي الله، وبلل الأرض والثرى بدموع الخشوع والتذلل والتضرع للملك، وسأل الله عز وجل بهذا الدعاء الكريم فقال: يا معلّم داود علمني، ويا مفهم سليمان فهمني! تضرع إلى الله من أجل مسألة فقهية ، فكيف من أجل مسألة استشكلت على كافة المسلمين ومصيبة حلت بالمسلمين يرجون الخلاص منها ؟!
وقال تعالى في سورة الحديد :“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ “الحديد “ الآية 28″ أيكون هذا النّور هو العلم ؟! نعم إنه كذلك فهذا هوى سياق التقوى وهذا مايجب ان تؤول إليه حياتك ان اتقيت الله ، إنه النور الذي الذي سيفيض علينا من عند الله ليكون لنا إرثاً في هذه الدنيا ، لنمشي في ظل هذا النور ، لينير لنا طريق ملؤه العقبات والصعّاب ويزيلها ربما ، لنعبد الله حق عبادته في هذه الأرض لنكون له خلفاء كما يجب وكما يحب وحيثما يوجهنا هذا النور الإلهي الذي جاء بفعل التقوى , وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ” الاعراف 92 ” .
وقال سبحانه :” مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ “ آل عمران 79″
سآتي هنا إلى موضوع الحفظ والصون من النسيان ، فالحفظ والتذكر للأفكار والأقوال يحتاج إلى إشراقة قلب وتوهّج في الذهن ، والمعصية والتجاوز تؤدي إلى تبلّد العقل وتنأى به عن نور الله ،وتطفئ نور القلب ويحرم العبد من التوفيق والسداد -وهذا ما يحدث معي شخصياً أحيانا أسأل الله الغفران والعافية – فالقلب يشرق بنور الإيمان والنفس تطمئن بماحباها الله من السكينة والطمأنينة بفعل الطاعة .
وأخرج الترمذي عن يزيد بن سلمة الجعفي أنه قال « يا رسول الله إني سمعت منك حديثاً كثيراً أخاف أن ينسيني أوّله آخره ، فحدثني بكلمة تكون جماعاً قال : اتق الله فيما تعلم »
وقال الِإمام الشافعي رحمه اللّه في أبياته الشهيرة :
شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأخبرني بأن علم اللـــــه نور ونور اللــــه لا يُهدى لعاصي
ووصى بها مالك الشافعي فقال له : يا محمد ! إني أرى عليك نجابة، وإني أرى لك إمامة في هذا الدين، فإياك والمعاصي فإنها تتلف العلوم .
لاأودّ الإطالة فالحديث يطول والشواهد كثر ، ولكن أختم بحسن الختام وصيةٌ من ربّ المتقين جلّ علا إلى إمام المتقين ورسول ربّ العالمين : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ
صدق الله العظيم
آيات تحت مجهر الثورة
كان بلاط الفرن قد تجمّر وكان العجين قد اختمر واصبح جاهزاً للخبز ، كانت النفوس كالقنبلة المحشوة بالبارود لاينقصها إلا ان تسحب منها مسمار الامان لتنفجر ، كانت الأمة كجبل البركان إذا كان خامدا هادئا وطئت صخره بالنعال وقرعته بالمطارق قتحسبه ميت فإذا ماانفجر تراه يذيب الصخر ويلهب الأرض ويخرج من ذاك الجبل ناراً تدمّر كل ماتريد أن تدمر … كان الناس كالحطب الجاف الكبير المهيء للاشتعال لكن لابدّ من بعض العيدان الصغيرة أو حزمة من القش الرقيق لتسهّل من اشتعال عظيم الحطب، وفجأة نُفخت الروح في تلك العيدان البريئة فتمثلت أطفالا لهم أرواح الثوار ونشامة الكبار وأشعلوا أول شرارة .. شرارة ثورة الحرية والكرامة .
هكذا تلخص المشهد في سوريا قبل أن تنطلق شرارة الثورة بلحظات !!
وتوالت الأيام والأسابيع والشهور وصفحات كل يوم تخط بالقلم الأحمر وتحكي قصة خلود ومجد وشهيد ..أصبحنا نرى الأوسمة تعلق على صدور البعض ونرى وصمات الخذلان على جبهات البعض الآخر وهكذا هي سنة الله ليميز الله الخبيث من الطيب ..
في قرائتي لبعض آيات الذكر الحكيم تتجلى عظمة الله في كلامه مع كل حدث من أحداث ثورتنا المباركة وترسم لنا سبلاً جديدة من التفاؤل والأمل والثقة بنصر الله، هذا من ناحية أما من ناحية أخرى فتظهر لنا بعض الآيات العديد من السنن التي سُنّت من الأزل برسم من لدن حكيم عليم خبير والارتباط بين كل سبب ومسبباته فتغدو الصورة أوضح والعبرة أكمل وأوفى .
وسأعرض في تدوينتي هذه بمشيئة الله بعضا من الاستقراءات الثوررية لبعض الآيات التي رأيت فيها مايثير انتباهي ونضعها تحت مجهر الثورة علّنا نرى ما كان يصعب علينا رؤيته .
الآيات في سورة البروج : “وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ * قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ”
ساقت لنا الآيات البينات قصة أصحاب الأخدود الذين عذبهم الله في الدنيا قبل الآخر وترينا الرؤية الثورية للآيات ماترينا من وعيد شديد لكل من حارب حرية الراي وتتوعدهم بالبطش الشديد والعذاب الأليم ، وإذا مادققنا النظر أكثر فأكثر في قول الله : “وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ” نرى أن الإيمان موقف عقدي يصدر عن حرية في الرأي والفكر ونلاحظ بلاأدنى شك أن الطغاة لايناسبهم هذا الأمر، لايتحمّلون أن يروالناس تقدّس غيرهم وتخضع لسواهم فكان أعظم ذنب اقترفه المؤمنون في نظر أولئك الطغاة هو أنهم آمنو بالله العزيز الحكيم ، كان هذا الذنب كافياً ليكتنز المستبد أكواماً من الحقد والغلّ على من لم يعجبه اختياره واعتقاده .
وبعد تلك الوقفة أصبح من السهل الإجابة على كثير من الاسئلة التي تُطرح يومياً عن ماهية قلوب أفراد طاقم المستبد .. والجواب أنها قلوب عادية كقلوبنا من حيث الشكل – مع انني اشك حتى في هذا -ولكنها ناقمة من كلّ من آمن بالله من كل من خضع لغير سلطانهم فماذا سنتوقع من أناس يحملون في نفوسهم ذلك الفكر اللعين.
الآية الخامسة بعد المئة من سورة الأنبياء : ” وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ”
لقد شاء الله وقدّر أن يمدّ بعمر ثورتنا المباركة ويجعلها أطول من نظيراتها في تونس ومصر وربما في ليبة وهذ مالانعترض عليه طبعاً ، ولكننا أصبحتا نشاهد في الآونة الأخيرة الشك يعتري بعضا من المستعجلين التواقين إلى نيل الحرية بسرعة عالية وهذا طبيعي باعتبار الأنفس مجبولة على عدم حب المكاره ، لكن هذا الاستعجال أراه ينقلب أحياناًإلى يأس وجزع من الثقة بنصر الله والسبب الملموس بصراحة هو شدة القمع والاجرام الممارس من النظام على العزّل والذي يتعمدّ النظام الخبيث إظهاره للناس ليقذف في قلوبهم الرعب من آلته الاستبدادية، لكن هيهات هيهات فالبلسم الذي يشفي الصدور ويذهب عنا رجز الشيطان ومخاوفه سرعان مايأتي من عند الله في هذه الآية ،إذ تخبرنا عن سنة كونية قد كتبها الله في الزبور .. سنة كتبت من أزل بعيد تخبرنا أن البقاء في هذه الأرض للأصلح وليس للأقوى ، فهما بلغ بطش النظام وجبروته واجرامه لن يستطيع ان يغير تلك السنة الإلهية وسيزول وتكون الغلبة للأصلح .. نعم للأصلح .
فعلينا ان لانستسلم للاحباط واليأس فكثير من صور الحياة والتاريخ بينت لنا كيف أن الحياة تولد من رحم الموت ” يخرج الحي من الميت ويخرج الميّت من الحيّ”
الآياية الخامسة والخمسون من سورة النّور: “وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَ1عْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ “
كانت تمر علينا هذه الآية لمجرد أنها تمر وكفى فلا يسع فهمنا القاصر لكل ماتحويه من معان عميقة ولانصل إلى جذورها الضاربة في أرض الإيمان والعقيدة ، إلى ان جاءت الثورة العظيمة فوسعّت الفهم وعمقت الادراك فأصبحنا نشاهد ذلك الوعد الالهي يرنو إلينا نجمه ،نجم الاستخلاف في هذه الأرض التي وهبها الله للأحرار من خلقه الذين لا سلطان لأحد عليهم إلا سلطان الله سبحانه .
فبالعودة إلى جذر كلمة خليفة في اللغة نجدها تعني الحرّية لأن المستخلَف حرٌّ فيمااُستخلفَ فيه !! فمن استخلفنا قادر على أن يمنحنا ذلك الحق لكنّ الشرط هنا هو الإيمان ، الإيمان العملي التطبيقي على الارض الذي يؤدي إلى الاستخلاف ، الإيمان المقرون بالعمل الصالح ، بتمثيل معنى الأصلح وإصلاح هذه البسيطة وستتوالى نعم الله في التمكين وإبدال عسر هذه الأمة يسراً وامنها خوفا .
الآية الثامنة عشرمن سورة الشعراء : “قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ”
أغلب الذين ثاروا على النظام بداية الأمر كانو من الذين عانو من ممارسات المستبد السيئة اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً وثقافياً وفكرياً ولامست أجسادهم تلك المعاناة ملامسة مباسرة …
إننا نرى أن الذين لامست أيديهم جمرات النظام وأحرقت بشرتهم نيران الاستبداد قد خبأووا في جعبتهم أكوام من الكراهية تجاه هذة الفئة الظالمة الطاغية كيفا لاوقد لجمو بلجام من حديد كلما حاولوا الكلام بل أحياناً قبل أن يتكلموا فلمجرد فكرة معينة تمتلكها قد يُحكم عليك بالإعدام هذا فكرياً ، أما اقتصادياً واجتماعياً فهناك ماهو افظع وأشنع فترى أغلب الناس من ذوي الطبقة الوسطى ومن هم دونهم -وهم اغلبية طبعا- جل مايصبون إليه في هذه الحياه هو العيش والعيش فقط !! نعم الكثير من الناس إذا عمل في يومه أكل وإن لم يعمل لايأكل ، يذهب هنا وهناك ليجلب لصغاره مايقوون به عودهم فيواجه أبواباً مغلقة في وجهه يحسبها ابواب جهنم، بل هي فعلاً كذلك عندما ينساق ذلك الشخص الى الطرق المحرمة والملتوية ليأتي بالمال فيأتي العصيان والانحراف عند ضعاف النفوس والإيمان ..والله المستعان ولاسبب إلا الغلاء والوباء المنتشر بسبب احتكار فئة قليلة حاكمة زمام المال والسلطة .
ولو جلسنا نعد ماعانى منه هذا الشعب المغوار من ظلم وقهر لاحتجنا إلى تدوينات وتدوينات .
لم يجد مثل هذا الشعب سوى الثورة منجىً من نيران المستبد ، كانت هي الباب الوحيد الذي يبدو عليه باباً من أبواب الجنة على الارض ، رأى هذا الشعب النور يملأ الأجواء من خلف هذا الباب فمضى نحوه وأقسم أن لا تراجع..
هكذا باختصار ماربى عليه النظام الشعب باختصار رباهم على الثورة … رباهم على أن يثوروا عليه، رباهم أن ينزعو منه هذا الملك الذي استولى عليه بالقوة والاجبار ، ربى المستبد قاتليه رباهم بالتصوير البطئ رباهم وكل يوم يمضي عليهم ينقص من عمر ذلك المستبد يوم مقابله .. هكذا تقول لنا الآية الكريمة أن سيدنا موسى عليه السلام تربى في دار فرعون ورأى من فرعون مارأى .. وادرك أن فرعون أقل مايستحقه من جزاء هو الثورة !!
ولفرعون في الظلم والطغيان المثل الأعلى
هذا ماأراني الله إياه وهذا ماتيسر لي ولمن أراد المزيد فهناك قرآن كامل يحتاج منا أن نضعه تحت المجهر …
والنصر آت آت آت
لازمته حتى الممات
عاد المريض 591 الذي حدثتكم عنه سابقاً والذي اكتشفتم أنه أنا،عاد إلى خدمة أبيه الذي كان يعاني من ورم في الكبد ، لكن شيئا غير عادي صعق الجميع قد حدث
صلى الجمعة وعاد كعادته إلى المنزل، كنت أنا مشغولاً بما ينشغل فيه أغلب شباب سوريا بعد صلاة الجمعة ، رن هاتفي النقال.. أسرع لقد سقط أبوك على الارض .. هرعت إلى البيت لأجد والدي والزّبد يخرج من فيه الطاهر لا يستطيع القيام.. وهنا بدأت حكاية الخمسة عشر يوما .
زحف السرطان بجيشه العرمم نحو القلعة واستولى على السطح دفعة واحدة ، نعم الانتقالات الدماغية حذت حذوها نحو الدماغ !! يالله مالذي جرى ؟ كيف حدث هذا ؟ بهذه السرعة وبهذه الكثافة؟ نعم .. قال الطبيب أكثر من ست يؤر ورمية ظهرت في صورة الدماغ والوضع خطير جدا وقابل للتطور بشكل سريع وأبوك لن يستمر أكثر من ثلاثة أشهر كحد اقصى في الحياه وستكون أشهراً مكتظة بالمستجدات السرطانية، طبعاً هكذا يقول الطب النظري وللاستثناءات الربانية كلام آخر ان قدر الله لها التدخل .
لم أرى بُدّاً غير البكاء .. لقد بكيت حتى كاد أن يتفطر كبدي ،لقد بكيت على تلك القلعة التى طالما تحصنت بها وطالما كانت لي الملجأ والمأوى , طالما تنقلت بين قاعاتها التي فاضت عليّ حنانا وعطفاً ودعما ماديا ومعنويا ، طالما وجدت خلف جدرانها المنيعة والتي بناها بساعدية القويتين من اول حجرة إلى أن شمخت بين جموع القلاع رقة تساير تماماً تلك القسوة الخارجية لتعلمني معاني التوازن والوسطية الحقة , تلك القلعة كانت بلا باب الكل يدخل إليها حتى بلا استإذان ليأخذ مايريد ولينهل مما يريد ويطلب مايريد، غافلنا ذلك الرجل الخبيث الذي اسمه ” السرطان” ودخل إليها ووضع المتاريس وجمع العدة والعتاد وجهز نفسه وأخذ مكانه على السطح واستعد لملاقاة الجميع!
الآن سيتوقف علاج الكبد وستم التركيز كل التركيز على علاج الرأس طبعاً لايوجد غير مركز وحيد للعلاج بالأشعة في هذا القطر المحتل والذي فاق فيه عددالمسرطَنون الآلاف!!!، إلى العاصمة وهناك مركز أشعة الكوبالت التي ستخفف عن ابي وطأة المرض وستحد من انتشاره لا أكثر ولا اقل.
على منتن سيارة اسعاف سرنا إلى العاصمة راجين النجاة آملين من الله الشفاء والعودة والنصر بين أيدينا والقلعة عادت إلى دورها القيادي، لا تتخيلو حجم المآسي في المشافي الحكومية والتي سأفرد لها حديثا خاصا بمشيئة الله , طبعا كل ذلك وأبي غائب عن الوجود لاتمر إلى فمه إي معلومة إلا بإذن ذلك الرجل الخبيث سرطان وغالبا مايمنعه من الكلام أو كان يمرر له معلومات خاطئة ليقولها لنا أبي،كيف لا؟ أوليست الحرب خدعة…؟
ليس ذلك فحسب لقد منعه من القيام اولا ثم بعد ذلك من الجلوس ثم من الطعام لقد استولى على أغلب بوابات العبور عنده ، كانت المعونات تقف على الشاطئ لا تدخل إلا عبر الطرق السرية كالأوردة والسيرومات ونحوه لكن الغريب أن ذلك الرجل سرطان لم يسطع أن يمنع مافي القلب ان يخرج وبوضوح وصراحه إنه ذكر الله .. نعم والله طيلة أيام نومه وابي لايجف لسانه من ذكر الله وقراءة القرأن كنت كلما سألته لأحاول ان أوقظه من غيبوبته أقول: ” كيفك حجي” فيقول: ” إلا بما شاء وسع كرسيه السموات والارض ولا يؤده حفظهما وهو العلي ّ العظيم ” !! عظيم هذا الجواب أليس كذلك ؟
لم يتوقف لسانه عن الطلب من الله ان يوسع له في قبره وان يرحمه وأن يلطف بحاله.. وهو غائب عن الإدراك طبعا.. لاتسألوني كيف ؟ كثيرا ما أيقظني من نومي على الكرسي بجانبه وهو يقول يارب مافي غيرك .. يارب يارب ياالله كنت استغرب من ذلك والمرضى أمثاله بنفس الغرفة التي كانت تحوي قرابة العشر أسرة !! يملأون المكان صراخاً وشتماً وتذمراً ، نعم هكذا هي القلاع دائماً لا تستسلم بسهولة لا تتخلى عن دورها في العطاء من أول منعطف تمر به إلى آخر منعطف .
وذات ليلية جئت إلى أبي وقد ملأ السواد قميصه وفراشه لقد تقيّأ دماً أسوداً ارتعدت قدماي من تحتي وبدأت القشعريرية تهزني من وهلة ذلك المشهد لكن حدْثاً آخر قال لي بسرعة لاتقلق ربما هي بقايا الذنوب والنكت القلبية السوداء قد أخرجها الله من قلبه ليطهر ويطهر ..أليس الله إذا احب عبدا ابتلاه ؟ لاننسى هنا الآيات التي استمرت تنساب على مسمعي من القارئ أبي وهو على ذلك الحال ، لا مزيد من الجلسات الشعاعية هكذا قالوا لنا لان الموضوع قد بلغ ذروته ولم تعد تفيد الجلسات بشئ .
عدنا إلى بلدنا على متن سيارة اسعاف وأبي يحاول سرقة نفس من هنا ونفس من هناك، نفس طبيعي يأته من احد نوافذ القلعة التى ماتزال حرة لايدنسها السرطان اللعين ، ونفس يأتيه من فج عميق وآخر تقدمه له اسطوانة الاوكسجين.. وماهي إلا ساعات بعد الوصول حتى اُحتلت القلعة بالكامل واتى أمر الله وجاء اليوم الموعود.. اليوم الذي طالما تخوفت منه على الرغم من إيماني أنه سيأتي لامحالة , اليوم الذي كان المرض يفترس جسد ابي أكثر كلما تقدمنا نحوه ساعة , اليوم التذي ستتهاوى فيه القلعة لأنها لم تعد قادرة على الصمود ولو للحظة ، اليوم الذي ستنفذ فيه كل الذرات التي كانت مخصصة لتلك القلعة لتبقى قائمة تناضل ، اليوم الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه من مات من ليليته أو فيه نجاه الله من عذاب القبر وكتب له أجر شهيد ، اليوم الذي لم يسلم منه أحب الخلق إلى الله وخاتم الرسل ، اليوم الذي أخفاه الله لنا لتجزى كل نفس بما تسعى ، اليوم الذي كان يقول فيه من اعز الله الإسلام بدخوله إليه كفى بالموت واعظا ياعمر ، اليوم الموعود المشهود المنتظر الخفي المباغت … لكنه هذه المرة كان استثنائياً بعض الشئ كان يوم التروية يوم التكبير يوم جمعة الله أكبر .. الله أكبر .. ولقد مات أبي
اتراه مات حقا بعد كل ماعانى من أجلنا بعدما ذاب أمامنا؟ لا والله.. لقد انتقل ليكون موجودا بيننا في تعاليمه، في صبره اللامتناهي، في صلاة الفجر التي كان يحول البيت إلى خلية من النحل عندما يوقظ الجميع لأدائها حاضرة في وقتها، في تفانيه لتعليمنا وتثقيفتا الأمر الذي لم يكن قد أُتيح له رحمه الله، في عزته التي أسقانا منها مراراً وتكراراً حتى أدمنّا عليها ، في سعيه وراء رزق حلال طيب ،في قناعته وبساطته ،في اصراره على تحقيق مايريد مادام الله معه ، في القرآن الذي ربانا على حفظه وتدبره وتفكره ، في كل صغيرة وكبيرة سيكون رحمه الله بيننا …
لن أنساك ياأبي.. سأعيد بناء القلعة على نفس الاسس ساستمر على نهجك، على ماربيتني عليه ساجعل من عرقك الذي كان يتصبب منك ويفوح عطره على يدي وانا امسحه لك أثناء مرضك وقوداً لي لأطبق ماعلمتني إياه لأسير على نهجك في تعليم إخوتي ورعاية امي سأكون مثلك أو سأحاول أن أكون مثلك .. لاأدري لعلي أنجح في ذلك فأنت شاهق في مكانتك تكاد تبلغ النجوم بنظري ومن غير اليسير بلوغ منزلت ياحبيبي .. ستظل كلمتك الخالدة ” الله يرضى عليك وعلى إخواتك ” سنداً لنا وعونا من الله يقدم إلينا على لسانك وستستمر بعون الله في عالمك البرزخي تدعو لنا وسنستمر نحن في عالمنا الدنيوي ندعو لك بالرحمة والمفغفرة والوفوز بالجنة والنجاة من النيران ..
اختي الصغيرة في أول ليلية تمر علينا بدونه رأته في المنام يتكلم مع امه ويقول لها لقد شفيت من مرض السكري واستأصلت الكتلة السرطانية وأنا بأفضل حال ولا ينقصني شئ واموري عال العال والحمد لله ..
رحمك الله أبي رحمة واسعة على قدر ماعانيت .
ابنك أبو أحمد
الثلاثية المقدسة
طاهر أفضال السباعي …
بدون مقدمات هو كل ذلك وأكثر ..
لابدّ لي من أسبر أغوار هذا الاسم الذهبي والذي حمله صديقي وحبيبي وأخي الذهبي .
أما الأول :فيعني أنه طاهر في جسمه , طاهر في روحه , طاهر في فكره , طاهر في سلوكه , طاهر في أخلاقه , طاهر في سكناته , طاهر في ابتسامته , طاهر في كلامه وافعاله وتنبؤاته وأشياء أخرى كثيرة كان طاهراً بها والله وبدون أي مبالغة ..
لقد رافقته لأكثر من ثلاثة أعوام وجاورته لعام كامل لم أرى منه غير الطهر الذي يفيض منه ليسعني ويسع المبنى بالكامل , أتذكرون ذلك الحديث الذي يقول انه الله قد يمنع بلاء ينزل بأناس لرجل صالح بينهم أو شيء كهذا .. أظن أن ذلك الرجل الصالح كان في مبنانا هو طاهر او أحد أبويه وهذا ليس تألي مني على الله ولكن هذا ماكان ظاهر لي بالأقوال وبالأفعال واخيراً بهذه الخاتمة المباركة ..
لم أرى منه ولم أسمع غير الخير و الخير فقط , لقد ولدت طاهرا وعشت طاهرا ومتّ طاهر ..
أما الثاني : فأظنه قد اشتٌقّ من الفضل وصاحب الفضل بل الأفضال مجتمعة.. إنه أبو طاهر .. صدقوني هذا الرجل أفضال صاحب فضل على هذه الثورة لأنه ربى ذلك الشاب على البذل والتضحية وكان يحثه دوما على الخروج وعدم الخنوع والخضوع والذل كان المحفز والمنشط لنا جميعا ولابنه على وجه الخصوصص, لن أنس موقفه ذلك وهو يهدء من حالي ويقول لي بارك لي في ما منّ الله علي فانا والد الشهيد طاهر.. أيّ رجل هذا !! وأي إيمان كالجبال الراسيات ذلك الإيمان الذي يتسلح به , كان صاحب فضل علينا بأن أنجب لنا طاهر وسيظل كذلك مازال اسمه أفضال ..
أما الثالث : السباعي هذه الصفة التى ماانفكت تلازمه وتلازم أبيه , كل يوم كان يثبت لنا أنه سبع من سباع الإسلام , من السباع التي لاتخاف احداً إلا الله , من السباع التى كانت تلقي في نفسها في بوتقة الخطر وغيرها لا يرتضون لأنفسهم إلا الأمان , كان سبعاً يخرج لنا كل ليلة ليعلمنا أن لأبواب الحرية مفاتيح لاتفتح بها إلا أيادٍ حمراء , لقد تعلمنا ذلك منك ياطاهر وحفظنا الدرس جيداً فاهنأ أنت بما علمت واسعد بما أعطيت وبذلت أيها السبع الطاهر ..
إن الآجال والأعمار والأسماء تٌكتب قبل خلق الإنسان , والآن فهمت ووعيت لماذا الله بحكمته قد اختار لك هذا الاسم الثلاي المفعول ..
يقولون أن لكل امرئ من اسمه نصيب … أما اسمك ياطاهر فهو من كان له نصيبٌ منك , رحمك الله وأسكنك جنان الانبياء والشهداء والصالحين .
14 تعليقاً